نوفمبر 3, 2009

كل الروائح التي نكرهها، تصعد من الشارع، من المخلفات الكربونية التي تطرحها سيارات تويوتا، من تعب الرصيف، من ذكريات الناس وضيق صدورهم ومن عرق أعمدة الإنارة. مع ذلك، تصعد أيضاً رائحة سحرية لعطر أنثوي اسمه كوكو شانيل، تنبعث من معطف بني ترتديه فتاة مجهولة الاسم مشغولة بشؤونها الخاصة. بوسع العشاق والمحرومين والمستريحين في المقاهي الشعبية التقاط الرائحة السحرية كما تلتقط هواتفهم النقالة اشارات الاتصال الضعيفة في المناطق النائية. بوسعهم استخدام الرائحة في ذكرياتهم الخاصة أو توظيفها في صورة المرأة الغامضة الجميلة التي تنتشهلم من واقعهم المحروم. يحدث أحياناً ألا يلتقط هؤلاء شيئاً. لا شيء سوى المخلفات الكربونية التي تطرحها سيارات تويوتا وتعب الرصيف والناس وعرق أعمدة الإنارة. ذلك أن المعطف، عندما تخلعه الفتاة مجهولة الاسم وتعلقه على المشجب المعدني خلف باب غرفتها وتستريح. ينسى ببساطة رائحة كوكو شانيل التي تسكن خيوطه المتشابكة، ولا يبعث أي شيء!
Photo By: Edwin Lee
مصنف في: كتابة | | التعليقات: 8 »
أكتوبر 22, 2009

قراءة نشرتها رويترز العربية عن مجموعتي القصصية “إيقاظ الموتى” الصادرة أخيراً عن الدار العربية العلوم - ناشرون، شعرت بالفرح والمفاجأة. شكراً جزيلاً لكاتب الكلمات، شكراً للناشر العزيز بشار شبارو، جزيلاً .. أنتظر آرائكم:)
منصور العتيق.. عن الموتى الذين لا يستيقظون
بيروت (رويترز) - على رغم ان الكاتب السعودي منصور العتيق اعطى مجموعته القصصية المؤرقة عنوان “ايقاظ الموتى” موحيا -ولو بسخرية- ان من الممكن ايقاظهم.. فما جاء في قصصه المميزة بغرابة ممتعة في الافكار والصور يؤكد ما هو معلوم اي استحالة ذلك على البشر.
ويعود العنوان بعد قراءة القصص الى تذكيرنا بأن اللعبة كادت تنطلي علينا لتجعلنا في البداية نتوهم ان الكاتب هو في صدد مشروع “احيائي” بالمعنى الرمزي الاستنهاضي ثم نكتشف انه يؤكد لنا عكس ذلك وانه في مجالات عديدة كمن يقول ما يشبه قول السيد المسيح “دعوا الموتى يدفنون موتاهم”.
جاءت مجموعة منصور العتيق القصصية في 78 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن “الدار العربية للعلوم ناشرون”. عالم قصص العتيق كابوسي لا بمعنى انه “يحمل” عالم الواقع الى الكابوس.. فقد يكون هذا اقل وطأة لان هناك في النهاية افاقة من الكابوس بينما الحقائق التي ينقلنا هو اليها تبدو مقفلة الابواب امام اي افاقة. انها كوابيس “مؤبدة” تشبه حالات يصفها البعض بسخرية مستخدما لغة المحاكم بانها تشبه “الاعدام المؤبد” اي الدائم التجدد بينما الموت في الاعدام العادي هو لمرة واحدة.
عند منصور العتيق نسيج من صنع منصور العتيق وان حملنا احيانا بسخريته وشعوره بالمرارة الى اجواء تذكر بمزيج من محمد الماغوط وزكريا تامر. اما الفن -وهو الكتابة الادبية عنده- فهو طريقة للهرب من الملل ومن قيود الجسد. ترى هل يعني هذا شيئا من ايقاظ الموتى.. نجد ذلك في كلام للكاتب التركي الفائز بجائزة نوبل للادب اورهان باموق هو “ان قص القصص بالنسبة الى التعساء الذين يتحرقون ليكونوا غيرهم هي حيلة قديمة من اجل التخلص من اجسادهم وأرواحهم المملة.”
وقبل البدء بما اسماه رسميا القصة الاولى نقرأ له كلاما قد يصح وصفه في رمزيته وغرابته الحادتين وفي اتهاميته المماثلة بأنه من الحالات القليلة التي يقال فيها انها “قصة كل القصص”.
فلنقرأ هذه “المقدمة” او هذه القصة التي قد تكون اغرب قصصه وأكثرها امتلاء “بالقول”. يقول “يجب ان تحكي هذه اليوميات دون مواربة وقائع ومسببات قتل جمعة بن نادر الحساوي. كان جمعة قد توفي ثلاث مرات على الاقل ابتداء من مايو 2003 م.. مرة بسب الاكتئاب ومرة بسبب سوء التغذية وثالثة نتاج فتوى الارتداد عن الدين التي اطلقها بحقه الشيخ بسام المكتنز.
“واثناء كتابة هذه اليوميات والبحث والتدقيق تكشف لي اشخاص كثر ممن ماتوا مرات اكثر من تلك التي ماتها جمعة. طبيعة الحياة في هذه المدينة تجعل من الموت اليومي المتكرر امرا شائعا بل ومستحبا.”
وانتقل الى القول “انصرفت اذن لكتابة سير هؤلاء الاكثر موتا من غيرهم من سكان مدينتنا. مدينتنا قبر قديم ومهمل يغطيه الغبار والحكايات القديمة والفتاوى. واذ يهطل عليه المطر.. مطر الصحراء المترب الحزين فان هذا القبر ينفتح وتفوح منه روائح جثث وعطور شرقية وشواء وعرق وأدوات تجميل. يخرج منه ايضا تجار وشعراء ولاعبو كرة ومشائخ ونساء. ملاحقتهم وتقصي حكاياتهم تصبح مع الوقت امرا صعبا ومستحيلا.”
هناك قصص قصيرة عادية الطول وأخرى “قصيرة جدا”. في قصة “فارس احلام الفزاعات” عمق ورمزية. وتبرز فيها قدرة الكاتب على استعمال المجازي والرمزي في بناء صور تتسم بشعرية وبجمال وغرابة.
مثلا يقول فيها منصور العتيق “كانوا رجالا ونساء يقيئون القصائد ويكنسونها بقرف يحاولون ادعاءه واجادته يعلقون الملل -باختيارهم- على سحناتهم ويثقلون اكتافهم بالرتابة. كانوا يكدسون التجهم في الطرقات ….”
القسم الثاني من المجموعة القصصية حمل عنوانا ظريفا هو “اشياء بخلاف الحديث عن الطقس تصلح لبدء محادثة”. وتألف هذا القسم في معظمه من قصص “قصيرة جدا”. نقرأ “قصة يوسف” حيث يقول الكاتب “عرفنا قصة النبي يوسف مبكرا. قرأها لنا مدرس عجوز بكثير من التلميحات والتعليقات الجانبية. ولاننا استغرقنا قرابة الخمس دقائق فقط لاستيعاب كل شيء فقد امضينا بقية اليوم في الحديث بحرقة عن الحظ العاثر وعن الفرص النادرة التي لا تستغل.”
قصة “ثلث ساعة وأصل” تحكي عن “اللاوصول” وتحمل غوصا فكريا في الحياة وما يفرض علينا من احمال تجعل مسيرتنا لا تبلغ اي غاية مرتجاة بل تجعلنا ننسحق تحت اعباء لا تكون دائما من اختيارنا.”
القصة الاخيرة وهي قصيرة جدا حملت عنوانا بالانجليزية هو “ثينجز تو دو” (THINGS TO DO) عن اشياء نقوم بها او علينا القيام بها. يقول الكاتب “بعد ان قرأ جريدة الرياض صباحا ودخن علبة كاملة وتناول افطاره وسمع اغنيتين وحزن ولعن الحياة بما يكفي وسمع من بعيد صوت اذان الظهر يتأهب للقدوم. ادرك جمعة بن نادر الحساوي بأن كل ما سيفعله اليوم هو ان يدخن في الصباح. يقرأ جريدة الرياض. يسمع اغنيتين. يحزن. يصلي ويأكل ويغني ثم يموت في المساء.”
من جورج جحا
الرابط
مصنف في: حكي | | التعليقات: 9 »
أكتوبر 16, 2009
لماذا تركت المدونة منذ 2007؟
أتظن أن لا شيء يستحق؟!؟
رغم أنه سؤال متكرر، على ألسنة أصدقاء هنا وهناك، وفي هيئة ردود تثلج الصدر وتبعث على شيء من الحنين، وفي هيئة زوار يزورون المدونة عندما لا يزورها سوى الظلام والغبار، ويتركون كلمات قليلة أحولها إلى رموز ونقوش وأحول أصحابها إلى أصدقاء قدماء قابلتهم مراراً. رغم أنه سؤال متكرر إلا أنه في المرة الأخيرة، بتاريخ العاشر من أكتوبر الفائت، كان مرعباً وله رنين واهتزاز. المشكلة أنني أظن أن هناك الكثير مما يستحق، والكثير جداً بحيث يتحول الكلام إلى حبر في الحلق لا أكثر. لا ينزل ويأخذ هيئته المعتادة في شكل حروف وكلمات. والمشكلة أن السنوات صارت مستعجلة في النهاية، لم أعتد بعد على نطق 2008 أو على تقلبات الطقس في أبريل 2009، لماذا صارت الأيام مستعجلة إلى هذا الحد؟
الحنين، الكثير من الحنين، للأسف هو طريقتي الوحيدة لمواجهة الأيام المستعجلة هذه، رغم أنها تأتي بحقها من الأخبار السيئة، السيئة حقاً هذه المرة، الكربون الأسود الذي يخلفه حريق البيوت يبقى طويلاً في الصدر، يمنعك من تذوق القصائد والأشياء الجميلة المشابهة. ومآسي الأصدقاء لا تكترث بقدرتك على الفهم وترتيب وجه جديد يليق بمقتضى الحال. وأقراص “لوسترال” لا تعدو كونها بذوراً للنوم ليس إلا. ما المفر؟ وفي الهواء أستنشق حنيناً وكربوناً وأياماً لا تلوي على شيء.
إلى أين تأخذني هذه الفضفضة المتأخرة وهذا السؤال؟ إلى أين؟
مثل النمل، مثل النمل حقاً، أجد تفاصيل متناهية الصغر، أضطر لرفعها من مكانها وإزاحة كثير من الغبار عنها. هذه التفاصيل تأتي على شكل رسالة قديمة تعود للعام 2004 مثلاً، أو نصاً ترك أحد الأصدقاء ملاحظاته عليه ولم يكتمل، فيلم يعود لتسعينات القرن الماضي أو هدف سجله الأرجنتيني أورتيقا في فريق نسيت اسمه. رغم البراءة والاعتيادية التي تحملها تفاصيل كهذه إلا أنني أحملّها حنيناً لا يطاق. حنين مرضي يجعل النهار يمر ببطئ و”سوالف” الأصدقاء أقل أهمية، يجعل الحياة تتوقف رغم الأيام العجولة. يسمي أحد المختصين، لن أقول مختص بماذا، هذا النوع من الحنين شكل من أشكال الهروب، ويقول إنه شائع جداً “هنا وهناك”. وبحسب وجهة نظره: يجب أن يتقادم العهد على هذه اليوميات، وأن يشيخ ليونيل ميسي بسرعة، لكي أشعر بجمال كل شيء. هذه جريمة بحق الأيام الراهنة التي أتهمها ظلماً بالعجلة، بمجرد العجلة.
إلى أين يأخذني هذا السؤال..؟
حتى لا أكون متحاملاً. لن أتحدث فقط عن الكربون والأيام، لا. كانت هناك الكثير من الأشياء الجميلة رغم كل شيء: طابور الخبز أمام “أمين” الخباز في صباحات ما قبل المرض، كاريزما “كوزمين أولاريو” مدرب الهلال وسيارته “البنتلي” التي لم يعتد عليهما حي العريجا المسن في غرب مدينة الرياض، منظر لندن من السماء والطائرة تهبط، حلقات متفرقة من برنامجي “جون ستيوارت” و”ستيفن كولبير“، معطف burberry في المطار. لا أريد أكون متحاملاً، كان هناك العديد من الأشياء الجيدة حقا. والحمدلله على ذلك!
إضافة!: الأعزاء الذين تركوا ردوداً ومشاعر جميلة هنا، طوال هذا الوقت. الذين كانت أصوات مفاتيحهم تؤنس الصمت الموحش الذي كان عليه هذا الموقع وصاحبه. أنا ممتن لكم جداً.. وأشكركم طوال الوقت!
مصنف في: حكي | | التعليقات: 12 »
سبتمبر 27, 2007

لا بأس من تبادل المواقع هنا، في المتسع الأخير من العمر، في السطر الأخير، حيث يحلو لك ختام قصتك بنكتة دارجة أو اقتباس ظريف، تبادل المقاعد هنا هو انتقامك الأخير من الحياة، وهو الأفضل بالتأكيد من استغلال اللحظة الأخيرة في النظر المطول إلى الخلف، حيث لن تجد شيئاً على الأرجح.
الصورة: رويترز
مصنف في: عين | | التعليقات: 34 »
أبريل 1, 2007
أنا الذي أكلت صحن التبولة عن آخره، وأنا من علق لوحة “ممنوع التدخين” رغم أن الجميع لا يدخن، وصاحب فكرة التنكر بقبعات المهرجين، وتأخير وقت الحفلة إلى ما بعد الحادية عشر لكي يتمكن الجميع من الحضور، وفكرة لف الهدايا الثمينة بورق الجرائد والهدايا الأقل ثمناً بورق فاخر، أنا من رقص أولاً، واقترح أيضاً أغنية: A new day has come. وانتقد بحدة أداء المنتخب السعودي وشركة الاتصالات، أنا صاحب ما لا يقل عن ثلاث نكات سخيفة لم تضحك أحداً. أنا، بشهادة الجميع، صاحب الأشياء الغريبة والسخيفة والعادية التي حدثت خلال الأربع ساعات المسماة: حفل التخرج، لكنني، بالنسبة إليكِ على الأقل، لم أكن موجوداً!
مصنف في: كتابة | | التعليقات: 40 »