أرشيف شهر نوفمبر 2005

ملخّص

نوفمبر 16, 2005

 

 


هرمت، فردي نجوم الطفولة..
حتى أشارك
صغار العصافير درب الرجوع
لعش انتظارك!

كلمات الصورة لمحمود درويش، الصورة للاجيء فلسطيني مسن في عمّان! (رويترز)

الولايات المتحدة السعودية!

نوفمبر 14, 2005

 

مقال موضي الزهراني المنشور بجريدة الوطن أمس الأحد جعلني أتخيل أننا نعيش في وطن مقسم بين أعراق ولغات مختلفة، ولايات متحدة سعودية مثلاً!
المقال الذي وجدت له رابطاً في موقع العربية نت يتحدث عن شباب الرياض بوصفهم داء مستقلاً يقف خلف كل حوادث الفوضى والمعاكسات وخلافه. تمنيت حقاً أن تبذل الكاتبة جهداً اكبر تعرف من خلاله واقع الشباب الحقيقي ومشكلات الكبت الثقافي والأحادية الفكرية التي تخلق كل هذه الإرتدادات الأخلاقية المؤلمة.
تعرف الكاتبة ولابد أن عمليات الهجرة إلى المدن والترحال المستمر خلف فرص التعليم والأعمال لم تترك مجالاً لصفات مستقلة تميز منطقة عن أخرى، ومدينة الرياض واحدة من كبريات المدن السعودية ليست استثناءً من هذه القاعدة. تمنيت حقاً معالجة أكثر واقعية بدلاً من التنظير حول رؤى شعبية. آخر ما نحتاجه، حقاً، هو الصراع المناطقي الذي أثاره نشر المقال في موقع العربية نت.

وعلى فكرة، أعجبتني هذه النقطة من حديث الكاتبة:
(وللأسف الشديد أن كثيرا من الأسر في وقتنا الحاضر بدأت تعيش صراعات لا حصر لها، ولا تملك تجاه سلوكيات أبنائها المنحرفة إلا الخضوع لضغوطاتهم التي لا تنتهي، ولا تجاه ضبطهم أخلاقيا إلا القليل إذا كانت العلاقات قائمة فيها على التواد والمحبة، لكن من يفتقرون لذلك لا تراهم إلا في الطرقات يرمون بعبارات الغزل والإعجاب لكل امرأة تمر أمامهم حتى وإن كان أطفالها يتسابقون أمامها، فهم لا يدركون قيمة الحب لأنهم لم يُنشَؤوا عليه ولم يمارس أماهم بشكل طبيعي، ولأن كثيراً من القضايا الأخلاقية قد لا توازي عقوبتها حجم الخطأ المرتكب تجاه المعتدى عليهن)

نص
المقال هنا

 

وجهة نظر!

نوفمبر 12, 2005

 

 

” بالنسبة إليّ، فإنه إله ” أسطورة كرة القدم الأرجنتينية، دييغو مارادونا، الذي تحوّل إلى مقدم برنامج تلفزيوني حواري متحدثاً عن مقابلة أجراها مع ضيف خاص، الرئيس الكوبي فيدل كاسترو!

عن النيوزويك

معمل الابتسامات الصناعية!!!

نوفمبر 9, 2005

(كتبت هذه الحروف في تواريخ متفرقة، الرابط الوحيد بين هذه التواريخ هو يوم العمل الأول بعد إجازات متباعدة..) م

I.
للتعبير عن استعجالهم المستمر. يقولون:
ـ الناس مستعجلون على أسنانهم، لا يطيقون الانتظار.
وكلما سمعت ذلك، أتخيل الأسنان شيئاً كمالياً مثل الجوارب والملابس الداخلية. سنعقلها يوماً ما، نرسلها إلى عامل المغسلة، ثم نأتيه مستعجلين في المساء ونقول له بينما ننظر إلى ساعاتنا:
ـ الاجتماع يبدأ في السادسة، نحن مستعجلون ونريد (ابتساماتنا) بسرعة!
وبينما يرتجف في يدي جسراً سنياً من خمس أسنان خزفية، أجدني أضحك بصمت تتحرك معه يدي وتفقد الأسنان اتزانها، فأسمع من خلفي همساً يقول:
ـ هل تقولون له أن يؤجل الضحك قليلاً، نحن مستعجلون!

II.
في كلية طب الأسنان للبنات بالملز. لا يبدو الأمر مثالياً كما في تعليقات ولمز الأصدقاء الذي بلغتهم قرار نقلي الأخير. ليس بسبب البعد الجغرافي عن منزلي أو الزحام الصباحي المعتاد. لكنه هذا الباب المعدني الذي يحن لأجداده أبواب سجون العصور الوسطى، وهذا المكتب النظيف إلا من إطار رخيص ( أبو ريالين ) على جهة منه صورة مكررة لمنظر طبيعي مفترض، والجهة الثانية تحوي مرآة دائرية أشعر أنها ستصبح، فيما بعد، دليل اتهام واضح على شيء لا أريد سرد تفاصيله الآن. ربما فيما بعد.
لست غريباً عن هذا المكان، عملت فيه مدة شهر واحد من السنة الأكاديمية الماضية. لكنني بعد هذا الشهر. حملت معطفي وبصقت على المبنى طويلاً (في سري طبعاً ! ) وقلت: إذا عدت إلى جهنم أعود إليك!
وأنا الآن أعود، مرغماً تماماً. يقولون : ليس في القرار أي شبهة نقل تأديبي، لكننا نحتاجك هناك وستساعدنا. وأنا صمت طويلاً، لم أقل مثلاً لماذا أنا دائماً؟ ولم أقل أنني لا أحب الصندوق الرمادي الذي يشكل مبنى الكلية. تخيلوا أنكم تقضون نهاركم في صندوق رمادي نسيه أحد مسافري المطار القديم على رصيف شارع الملك عبد العزيز، صندوق يشبه مصائد الفئران وعلب المنظفات الكيميائية. تخيلوا أنكم تستقبلون يومكم الجديد من خلف نافذة رمادية، رمادية تماماً. ويتصل بكم أصدقائكم وتعتذرون عن اللقاء القادم متعللين بضغوط العمل. ستجدون صعوبة في شرح طبيعة هذه الضغوط لكنهم لا يعرفون كم هي الأشياء رمادية وكالحة: هناك وقت محدد للدخول، وباب محدد للانصراف، وزيارة مفتوحة للمصلى، وزيارتين لدورة المياه، هناك الباب المعدني الذي يذكرني بسجون الأفلام القديمة، وهناك لافتة ( keep close ) من الجهتين، غير فريق الأمن الحريص دوماً على أن تبقى الممرات نظيفة، وعلى ( مكان الحريم ) ، وعلى أن تبقى سحنتي متجهمة، خالية من أي ابتسامة.

لا أحب أيضاً زملاءي هنا. لا أحبهم جميعاً. ليس لأنهم جميعاً من الجنسية الفليبينية، وليس لعقدة عنصرية تجاهم. لكن أصغرهم عمراً سيحتفل بعيد ميلاده الرابع والأربعين في الأول من يونيو القادم، وأنا اختبرته مراراً ووجدته لا يمكن أن يكون صديقي: لن يخرج معي لتناول الغداء في برجر كنج أو أي مطعم قريب، كما أنه لا يملك أي فكرة عن مباراة الغد بين برشلونه والريال. ولا يقرأ أي صحيفة في العالم ولا يشجع أي فريق. والأكثر صعوبة أنني لا أجد صيغة مناسبة لتقديمه إلى أصدقائي فيما لو صادفونا على قارعة طريق أو طاولة، وهو لن يساعدني بالكلام إذ أنه سيتحدث بالتأكيد عن المواعيد الجديدة والمرضى المستعجلين. وهذا لا يساعد مطلقاً.
لا أحب أيضاً السيد رئيسي في العمل. كلما عدت من إجازة يفتل علي عضلاته معدداً جوانب فضله علي، ويتكلم كثيراً عن نفسه ومعاناته وتعبه وكفاحه الطويل. ويتكلم أكثر عن أوقات العمل الرسمية وكيف يجب أن نحافظ عليها تماماً لأن الوطن يعطينا نقوداً مقابلها، حتى اذا انتهى جمع أوراقه ونبهنا: سأخرج الآن، ولن آتي غداً لظروف خاصة!
ولا أحب (منصور) بالتأكيدً. لانه سلبي تماماً في هذا المبنى. قالوا له: لا ترتد بنطلونات الجينز. إلبس بنطلوناً أسود عادياً بدلاً منها، قالوا له: التفاهم مع الطبيبات يجب أن يتم عبر نافذة الاستقبال، وبحضور (في) موظفة الريسبشن. قالوا له أيضاً: السن يجب أن ينتهي في ثلاثة أيام بدون شكوى أو تذمر. لا أحب (منصور) لأنه سلبي تماماً، ولأنه يتمنى لو أرسل استقالته عن طريق الفاكس لكنه لا يفعل. لا أحبه لأنه وحيد، ولأنه ينزعج من الحديث الصاحب الدائر باللغة الفليبينية بينما يدور في مخيلته شك مريض حول الحديث: ماذا يقولون؟ هل يتحدثون عني؟ لماذا ينظرون إلي بين لحظة وأخرى نظرتهم الغريبة تلك ؟

III.
أنا متعب يا جماعة..
رغم أنني نمت جيداً ليلة البارحة، إلا أن شعوراً ثقيلاً يتملكني ويقول أنني لست مسؤولاً عن ابتسامات الناس. قالوا لنا قبل التخرج، مهمتكم أن تساعدوا الناس، تعطوهم أسناناً جميلة وابتسامات مشرقة. وأذكر أنني ضحكت من كلمة (مشرقة) ورددتها مراراً ثم سكت. قلت للدكتور الذي تولي تدريسنا: قد نعطي المريض أسناناً جميلة لكن ما الذي يضمن لنا أنه سيبتسم؟ قال: هو يبتسم في العيادة عندما يحصل على أسنانه، انتم لا ترون ابتسامته..
وما دمنا نعمل هنا. في معمل الأطقم الصناعية، فليست لنا فرص حقيقية في مشاهدة الابتسامات الصناعية، الابتسامات التي نصنعها بايدينا. تأتينا أفواه الناس على شكل قوالب جبسية. وأرى على طاولتي فك منيرة المشوه، وخلود التي فقدت سنيها الأماميين. والسيدة منى التي قضى السكري على أسنان فكها السفلي. وتريد حلاً صناعياً لحروب الزمن.
وملف الحالة المرافق للقالب يشرح كل شيء، يقول مثلاً أن خلود تبلغ من العمر عشرين عاماً، وانها تعاني من الهيموفيليا و التهاب الكبد الوبائي. هذا يحتم علي أن أبقى الصندوق الصغير الذي يحوي القالب الجبسي الخاص بخلود بعيداً، حتى لا تصيب العدوى منيرة ومنى. يجب علي أيضاً أن أبقي عيني باتساع المجرة لألحظ الفروق البسيطة في اللون الأبيض المائل للاصفرار لاوزعها بقانون معروف مسبقاً على أفواه الناس. حتى الألوان رقموها هنا وفقدت سحرها السريالي اللذيذ. ما هو الشعور الإنساني الملازم عندما أسأل طبيبة عن لون أسنان مريضها فتقول لي: A3.5 . مثلاً ؟
العام الماضي، عندما وقع الانفجار الإرهابي بمبنى الأمن العام بالرياض. كان مبنى الكلية غير البعيد عن موقع الانفجار يتهالك ويرتعد، ولأن معمل الابتسامات الصناعية يحتل الطابق الثاني فقد تهالك وارتعد أيضاً، وطاولتي تهالكت وارتعدت، والأفواه المرتبة على طاولتي اختلطت وأطبق فك خلود السفلي على الفك العلوي لمنى. واختلط الرجال والنساء على طاولتي في مشهد غير أخلاقي بتاتاً.
انفجار. صاح الموظفون الفليبينيون برعب لا يريدون معه أن يختموا حياتهم في هذه الصحراء. ومع حدوث هذا الاستثناء المرعب إلا انه لم يسمح لنا بالتوقف عن إمداد المرضى بالابتسامات المزيفة ولم يسمح للفليبينيين بالمغادرة للموت في جزرهم البعيدة. نحن نكذب إذن. قلت لزملاءي مراراً ما موقفنا الأخلاقي إذا تغني شخص ما بابتسامة حبيبته دون أن يعرف بالأسنان الصناعية التي صنعتها الأنامل المستأجرة. لماذا يبتسم توم كروز دائماً أمام المصورين الذين لا يعرفون قصة الحياة الحقيقية للأسنان اللؤلؤية التي تتآمر مع معمل مشابه للنيل من الإعلاميين والأغلفة والمعجبات. ماذا عن جوليا روبرتس؟ سلمى حايك؟ براد بيت؟ أو حتى أنغام وذكرى وحياة الفهد وحسين عبد الرضا… القائمة تطول كما ترون!
لا يزال في الألفية الجديدة متسع للتفاصيل البدائية. الحياة تتوقف هنا، في الساعة الثامنة صباحاً التي تأتي متسللة بين أنظار السيكيوريتي مان العتيد وبين عيون التلميذات الناعسة. عندما أدخل (الحرملك) الطبي هذا أفكر بحزن كيف أنه سيسرق تسع ساعات من عمري، من يومي، وكيف أن الحياة ستصبح، بمرور الوقت، عمليات سرقة متبادلة، وأنني لن أجد الفرصة لأعيش.
كل دخول هو مسرحية صغيرة مضحكة، حال صعود الدرج الموصل بين مواقف الدور الأرضي حيث مواقف السيارات والدور الثاني حيث الصندوق الذي أعمل فيه، يسمع الحرس وقع أقدامي فيتحفزون، وعند مرور سحنتي المعتادة تنفرج أساريرهم قليلاً بنظرات متبادلة فيما بينهم: ( وجه معروف ؟!) ويعطونني موافقتهم الصامتة للدخول.
وفي الدور الثاني يصبح المرور حرجاً حال الزحام، الاستئذان المتكرر بين حشود الطالبات ونظرات المشرفين المتشككة، علي أن أتم طريقي مستعجلاً، بشكل قريب من الفرار. ثم التقاط أنفاسي أمام شباك (في) موظفة الريسبشن الفلبينية مع افتعال ابتسامة لتحية الصباح. لتأذن لي هذه من مكتبها بضغطة تفتح لي بوابة من التعب والثرثرة والوقت اللزج وروائح الأطعمة الآسيوية.
الحياة تتوقف هنا، تتوقف فعلاً لا مجازاً. حتى أنني أتوقف تماماً عن التنفس طوال تسع ساعات هي العمر اليومي المطلوب إهداره في هذا المكان، المشكلة هي أنني، في التوقف الحياتي هذا، أحاول صنع حيوات أجمل للآخرين. الأسنان الأمامية شديدة اللمعان توحي بابتسامات براقة وفلاشات تصوير وقبلات وليالي طويلة، الأطقم المتحركة توحي بوجبات رائعة وهضم جيد ونوم مطمئن، وأسماء الحيوات الافتراضية تتكاثر: خلود ومزن وحصة وأمل ونور و و و و و و … والطبيبات متجهمات ومستعجلات و(في) موظفة الريسبشن تمارس دورها المفتعل (هل ضاعت حياتها حقاً هكذا؟) وعندما يحين الوقت الرسمي لمعاودة التنفس، في الخامسة مساء من كل يوم، أغسل وجهي وأتفقد المكالمات الفائتة في هاتفي المتنقل (غالباً لا أجد شيئاً!) وأسأل نفسي أمام المرآة ذات الإطار الرخيص، على المكتب البني الوحيد: ما الذي نفعله بهذا القرب الحميمي من ابتسامات الآخرين، لو قابلناهم صدفة في المساء، وانقلبت سحناتهم إلى الجدية المفرطة والتجهم اليومي. بدعوى أننا، بعد كل هذا الوقت، لم نتعارف بشكل جيد!

كل عام وفزاعات سويسرا سعيدة!

نوفمبر 4, 2005

إذا انتهت حياتي هذه، وصرت فزاعة في حياة أخرى. فسأهاجر إلى سويسرا: إنهم يقيمون هناك مهرجاناً مختصاً بالفزاعات وحدهن، يلبسن فيه أربطة عنق ملونة وقبعات حديثة. الفزاعات تختلف هناك، إنها تسكن على ضفاف الأنهار في الحقول الخضراء التي نجدها مرسومة في كتبنا الدراسية القديمة، لها بيوتها الخاصة وأغنياتها المفضلة وليس بعيداً أنها، في نهاية الأسبوع، تذهب لمشاهدة فلم ممل أو مباراة فرقها المفضلة.
وإذا صرت فزاعة هناك، فيما بعد، فلن أحتاج للعيد مادام الإحباط بعيداً عني إلى هذا الحد، مادام النبع يبدأ من تحت قدمي والعصافير الملونة تحط على كتفي والفتيات الجميلات يلتقطن الصور بجانبي حال فوزي بلقب ملكة جمال الفزاعات في المهرجان المشهود. ما حاجتي للعيد وأنا بدون مرآة وبدون زمن وبدون ألعاب نارية لا تخصني ومسرحيات كوميدية مفتعلة.
الإحباط عجز الحياة. اعتذارها المتأخر عن تقديم فرح يليق بالعيد المفتعل الذي يمر، برتابة، في وقت محدد من كل عام. آه من المرآة، من الثوب النظيف وصوت (فضيلته) يأتي عبر النافذة مع الغبار ورائحة الألعاب النارية وصخب أطفال الحي. كم تمنيت لو كفى العيد نفسه عناء المجيء هذه المرة، لو أراح نفسه، وأراحنا!
أنا محبط، محبط إلى الحد الذي لا أجد طاقة كافية لمجرد خطوة قادمة، زاد الأمر مجيء العيد، عيد الوحدة والشوارع المحرمة والاحتفالات التي لا تخصني. ها أنذا أمام المرآه، أقول لنفسي كم أن العيد لا مبرر له مطلقاً في هذه الظروف. إنه يأتي هذه المرة بحصة أكبر من التوجيهات، يقول لي كم أن الزمن مر، شئت أم أبيت، لم ينتظر مثلاً ليتعاف والدي من تبعات الجلطة الدماغية التي تمكنت أخيراً. لم ينتظر لأحل مشاكلي العالقة في العمل الصباحي أو أنظف أرضية حياتي بالشكل الأمثل. إنه فقط يأتي، ليمد لي لسانه ويقول أنه هنا، وطز فيني في النهاية: هذا فرح لا يخصني!
حمل الهواء للحظات صوت خطبة العيد عبر النافذة، الشيخ يحمل على العلمانيين والكتاب الذي يفسدون المجتمع والمرأة، ويحمل على الفضائيات التي اشتد بلاءها، وعلى كناسين الشوارع الذي صاروا يهملون أعمالهم مؤخراً، ثم استبدل الهواء، عبر النافذة، الخطبة بصخب أطفال يقتسمون فرحتي التي رميتها لهم مبكراً.. للهواء ذائقته!
كم تمنيت شجاعة لأصيح فيهم عبر النافذة (الأطفال وفضيلته) أنني سأصير فزاعة ولن يهمني صخبهم وعيدهم المفتعل، سأرتدي وقتها قمصاناً وأربطة عنق ملونة وسيأتون إلي وقتها محاولين استعطافي والتعلق بيدي واللعب بمياه النبع تحت قدمي. وقد يأتي فضيلته ويعرض شراء المزرعة حيث أقيم، أو تملك زرقة السماء المحيطة برأسي، وقد يتوقف الأصدقاء عن تحميلي وزر وحداتهم الخاصة (لن يكون لي وقتها هاتف متنقل، ولن يقول لي الأصدقاء، مسبقاً، أن الوحدة الاختيارية ممتعة، تمهيداً لتركي!).
أتمنى فعلاً فرصة حياة أخرى، هذه أمنيتي الوحيدة أيها العيد العجول صاحب الأمنيات الناقصة. أريد أن أكون فزاعة صالحة، تشجع فريق الهلال، وتقرأ أورهان باموق، ووالدها يستطيع التنقل بحرية في أرجاء منزله دون بكاء ومشقة. فزاعة تستلقي على (الصوفا) مساء الخميس بكسل لمتابعة فلم عشوائي لـ (بين آفليك)، لكنها تنام قبل نهايته وتترك بقايا البيتزا عالقة بالريموت كنترول. أريد أن أكون فزاعة ملونة، في سويسرا، حيث لا يمر عيد الفطر، ولا يصلني الصوت الكئيب عبر النافذة، ولا يمر الزمن مطلقاً!

( الصورة من رويترز، ألتقطت في سبتمبر الماضي في مهرجان الفزاعات السنوي، لا أمزح، هناك فعلاً شيء اسمه:Switzerland Scarecrow Festival )

منصور 2 شوال 26 هـ