معمل الابتسامات الصناعية!!!

(كتبت هذه الحروف في تواريخ متفرقة، الرابط الوحيد بين هذه التواريخ هو يوم العمل الأول بعد إجازات متباعدة..) م

I.
للتعبير عن استعجالهم المستمر. يقولون:
ـ الناس مستعجلون على أسنانهم، لا يطيقون الانتظار.
وكلما سمعت ذلك، أتخيل الأسنان شيئاً كمالياً مثل الجوارب والملابس الداخلية. سنعقلها يوماً ما، نرسلها إلى عامل المغسلة، ثم نأتيه مستعجلين في المساء ونقول له بينما ننظر إلى ساعاتنا:
ـ الاجتماع يبدأ في السادسة، نحن مستعجلون ونريد (ابتساماتنا) بسرعة!
وبينما يرتجف في يدي جسراً سنياً من خمس أسنان خزفية، أجدني أضحك بصمت تتحرك معه يدي وتفقد الأسنان اتزانها، فأسمع من خلفي همساً يقول:
ـ هل تقولون له أن يؤجل الضحك قليلاً، نحن مستعجلون!

II.
في كلية طب الأسنان للبنات بالملز. لا يبدو الأمر مثالياً كما في تعليقات ولمز الأصدقاء الذي بلغتهم قرار نقلي الأخير. ليس بسبب البعد الجغرافي عن منزلي أو الزحام الصباحي المعتاد. لكنه هذا الباب المعدني الذي يحن لأجداده أبواب سجون العصور الوسطى، وهذا المكتب النظيف إلا من إطار رخيص ( أبو ريالين ) على جهة منه صورة مكررة لمنظر طبيعي مفترض، والجهة الثانية تحوي مرآة دائرية أشعر أنها ستصبح، فيما بعد، دليل اتهام واضح على شيء لا أريد سرد تفاصيله الآن. ربما فيما بعد.
لست غريباً عن هذا المكان، عملت فيه مدة شهر واحد من السنة الأكاديمية الماضية. لكنني بعد هذا الشهر. حملت معطفي وبصقت على المبنى طويلاً (في سري طبعاً ! ) وقلت: إذا عدت إلى جهنم أعود إليك!
وأنا الآن أعود، مرغماً تماماً. يقولون : ليس في القرار أي شبهة نقل تأديبي، لكننا نحتاجك هناك وستساعدنا. وأنا صمت طويلاً، لم أقل مثلاً لماذا أنا دائماً؟ ولم أقل أنني لا أحب الصندوق الرمادي الذي يشكل مبنى الكلية. تخيلوا أنكم تقضون نهاركم في صندوق رمادي نسيه أحد مسافري المطار القديم على رصيف شارع الملك عبد العزيز، صندوق يشبه مصائد الفئران وعلب المنظفات الكيميائية. تخيلوا أنكم تستقبلون يومكم الجديد من خلف نافذة رمادية، رمادية تماماً. ويتصل بكم أصدقائكم وتعتذرون عن اللقاء القادم متعللين بضغوط العمل. ستجدون صعوبة في شرح طبيعة هذه الضغوط لكنهم لا يعرفون كم هي الأشياء رمادية وكالحة: هناك وقت محدد للدخول، وباب محدد للانصراف، وزيارة مفتوحة للمصلى، وزيارتين لدورة المياه، هناك الباب المعدني الذي يذكرني بسجون الأفلام القديمة، وهناك لافتة ( keep close ) من الجهتين، غير فريق الأمن الحريص دوماً على أن تبقى الممرات نظيفة، وعلى ( مكان الحريم ) ، وعلى أن تبقى سحنتي متجهمة، خالية من أي ابتسامة.

لا أحب أيضاً زملاءي هنا. لا أحبهم جميعاً. ليس لأنهم جميعاً من الجنسية الفليبينية، وليس لعقدة عنصرية تجاهم. لكن أصغرهم عمراً سيحتفل بعيد ميلاده الرابع والأربعين في الأول من يونيو القادم، وأنا اختبرته مراراً ووجدته لا يمكن أن يكون صديقي: لن يخرج معي لتناول الغداء في برجر كنج أو أي مطعم قريب، كما أنه لا يملك أي فكرة عن مباراة الغد بين برشلونه والريال. ولا يقرأ أي صحيفة في العالم ولا يشجع أي فريق. والأكثر صعوبة أنني لا أجد صيغة مناسبة لتقديمه إلى أصدقائي فيما لو صادفونا على قارعة طريق أو طاولة، وهو لن يساعدني بالكلام إذ أنه سيتحدث بالتأكيد عن المواعيد الجديدة والمرضى المستعجلين. وهذا لا يساعد مطلقاً.
لا أحب أيضاً السيد رئيسي في العمل. كلما عدت من إجازة يفتل علي عضلاته معدداً جوانب فضله علي، ويتكلم كثيراً عن نفسه ومعاناته وتعبه وكفاحه الطويل. ويتكلم أكثر عن أوقات العمل الرسمية وكيف يجب أن نحافظ عليها تماماً لأن الوطن يعطينا نقوداً مقابلها، حتى اذا انتهى جمع أوراقه ونبهنا: سأخرج الآن، ولن آتي غداً لظروف خاصة!
ولا أحب (منصور) بالتأكيدً. لانه سلبي تماماً في هذا المبنى. قالوا له: لا ترتد بنطلونات الجينز. إلبس بنطلوناً أسود عادياً بدلاً منها، قالوا له: التفاهم مع الطبيبات يجب أن يتم عبر نافذة الاستقبال، وبحضور (في) موظفة الريسبشن. قالوا له أيضاً: السن يجب أن ينتهي في ثلاثة أيام بدون شكوى أو تذمر. لا أحب (منصور) لأنه سلبي تماماً، ولأنه يتمنى لو أرسل استقالته عن طريق الفاكس لكنه لا يفعل. لا أحبه لأنه وحيد، ولأنه ينزعج من الحديث الصاحب الدائر باللغة الفليبينية بينما يدور في مخيلته شك مريض حول الحديث: ماذا يقولون؟ هل يتحدثون عني؟ لماذا ينظرون إلي بين لحظة وأخرى نظرتهم الغريبة تلك ؟

III.
أنا متعب يا جماعة..
رغم أنني نمت جيداً ليلة البارحة، إلا أن شعوراً ثقيلاً يتملكني ويقول أنني لست مسؤولاً عن ابتسامات الناس. قالوا لنا قبل التخرج، مهمتكم أن تساعدوا الناس، تعطوهم أسناناً جميلة وابتسامات مشرقة. وأذكر أنني ضحكت من كلمة (مشرقة) ورددتها مراراً ثم سكت. قلت للدكتور الذي تولي تدريسنا: قد نعطي المريض أسناناً جميلة لكن ما الذي يضمن لنا أنه سيبتسم؟ قال: هو يبتسم في العيادة عندما يحصل على أسنانه، انتم لا ترون ابتسامته..
وما دمنا نعمل هنا. في معمل الأطقم الصناعية، فليست لنا فرص حقيقية في مشاهدة الابتسامات الصناعية، الابتسامات التي نصنعها بايدينا. تأتينا أفواه الناس على شكل قوالب جبسية. وأرى على طاولتي فك منيرة المشوه، وخلود التي فقدت سنيها الأماميين. والسيدة منى التي قضى السكري على أسنان فكها السفلي. وتريد حلاً صناعياً لحروب الزمن.
وملف الحالة المرافق للقالب يشرح كل شيء، يقول مثلاً أن خلود تبلغ من العمر عشرين عاماً، وانها تعاني من الهيموفيليا و التهاب الكبد الوبائي. هذا يحتم علي أن أبقى الصندوق الصغير الذي يحوي القالب الجبسي الخاص بخلود بعيداً، حتى لا تصيب العدوى منيرة ومنى. يجب علي أيضاً أن أبقي عيني باتساع المجرة لألحظ الفروق البسيطة في اللون الأبيض المائل للاصفرار لاوزعها بقانون معروف مسبقاً على أفواه الناس. حتى الألوان رقموها هنا وفقدت سحرها السريالي اللذيذ. ما هو الشعور الإنساني الملازم عندما أسأل طبيبة عن لون أسنان مريضها فتقول لي: A3.5 . مثلاً ؟
العام الماضي، عندما وقع الانفجار الإرهابي بمبنى الأمن العام بالرياض. كان مبنى الكلية غير البعيد عن موقع الانفجار يتهالك ويرتعد، ولأن معمل الابتسامات الصناعية يحتل الطابق الثاني فقد تهالك وارتعد أيضاً، وطاولتي تهالكت وارتعدت، والأفواه المرتبة على طاولتي اختلطت وأطبق فك خلود السفلي على الفك العلوي لمنى. واختلط الرجال والنساء على طاولتي في مشهد غير أخلاقي بتاتاً.
انفجار. صاح الموظفون الفليبينيون برعب لا يريدون معه أن يختموا حياتهم في هذه الصحراء. ومع حدوث هذا الاستثناء المرعب إلا انه لم يسمح لنا بالتوقف عن إمداد المرضى بالابتسامات المزيفة ولم يسمح للفليبينيين بالمغادرة للموت في جزرهم البعيدة. نحن نكذب إذن. قلت لزملاءي مراراً ما موقفنا الأخلاقي إذا تغني شخص ما بابتسامة حبيبته دون أن يعرف بالأسنان الصناعية التي صنعتها الأنامل المستأجرة. لماذا يبتسم توم كروز دائماً أمام المصورين الذين لا يعرفون قصة الحياة الحقيقية للأسنان اللؤلؤية التي تتآمر مع معمل مشابه للنيل من الإعلاميين والأغلفة والمعجبات. ماذا عن جوليا روبرتس؟ سلمى حايك؟ براد بيت؟ أو حتى أنغام وذكرى وحياة الفهد وحسين عبد الرضا… القائمة تطول كما ترون!
لا يزال في الألفية الجديدة متسع للتفاصيل البدائية. الحياة تتوقف هنا، في الساعة الثامنة صباحاً التي تأتي متسللة بين أنظار السيكيوريتي مان العتيد وبين عيون التلميذات الناعسة. عندما أدخل (الحرملك) الطبي هذا أفكر بحزن كيف أنه سيسرق تسع ساعات من عمري، من يومي، وكيف أن الحياة ستصبح، بمرور الوقت، عمليات سرقة متبادلة، وأنني لن أجد الفرصة لأعيش.
كل دخول هو مسرحية صغيرة مضحكة، حال صعود الدرج الموصل بين مواقف الدور الأرضي حيث مواقف السيارات والدور الثاني حيث الصندوق الذي أعمل فيه، يسمع الحرس وقع أقدامي فيتحفزون، وعند مرور سحنتي المعتادة تنفرج أساريرهم قليلاً بنظرات متبادلة فيما بينهم: ( وجه معروف ؟!) ويعطونني موافقتهم الصامتة للدخول.
وفي الدور الثاني يصبح المرور حرجاً حال الزحام، الاستئذان المتكرر بين حشود الطالبات ونظرات المشرفين المتشككة، علي أن أتم طريقي مستعجلاً، بشكل قريب من الفرار. ثم التقاط أنفاسي أمام شباك (في) موظفة الريسبشن الفلبينية مع افتعال ابتسامة لتحية الصباح. لتأذن لي هذه من مكتبها بضغطة تفتح لي بوابة من التعب والثرثرة والوقت اللزج وروائح الأطعمة الآسيوية.
الحياة تتوقف هنا، تتوقف فعلاً لا مجازاً. حتى أنني أتوقف تماماً عن التنفس طوال تسع ساعات هي العمر اليومي المطلوب إهداره في هذا المكان، المشكلة هي أنني، في التوقف الحياتي هذا، أحاول صنع حيوات أجمل للآخرين. الأسنان الأمامية شديدة اللمعان توحي بابتسامات براقة وفلاشات تصوير وقبلات وليالي طويلة، الأطقم المتحركة توحي بوجبات رائعة وهضم جيد ونوم مطمئن، وأسماء الحيوات الافتراضية تتكاثر: خلود ومزن وحصة وأمل ونور و و و و و و … والطبيبات متجهمات ومستعجلات و(في) موظفة الريسبشن تمارس دورها المفتعل (هل ضاعت حياتها حقاً هكذا؟) وعندما يحين الوقت الرسمي لمعاودة التنفس، في الخامسة مساء من كل يوم، أغسل وجهي وأتفقد المكالمات الفائتة في هاتفي المتنقل (غالباً لا أجد شيئاً!) وأسأل نفسي أمام المرآة ذات الإطار الرخيص، على المكتب البني الوحيد: ما الذي نفعله بهذا القرب الحميمي من ابتسامات الآخرين، لو قابلناهم صدفة في المساء، وانقلبت سحناتهم إلى الجدية المفرطة والتجهم اليومي. بدعوى أننا، بعد كل هذا الوقت، لم نتعارف بشكل جيد!



التعليقات 3 على “معمل الابتسامات الصناعية!!!”

  1. أنـا:

    إني أرثي لحالك ” و لحالي المشابه لحالك ” !
    .
    .

    كمـ هو صعبٌ .. و ضرب جنونٍ أن تحيا بل الصحيح هو أن تموت في مكانٍ فرضته عليك لوائح القدر و قوانينه المُلزمة .. فيما داخلك يرفض تمام الرفض أن يتصالح مع هذا الواقع المقرف !

    أن تتواجد في مكان .. ليس لأنك تحب التواجد فيه .. بل لأن ” القدر ” يحب ذلك ..

    أمرٌ يدعو للأسف .. و الإحباط المُزمن !

    و الناس .. آه من الناس الذين تتقاطع معها هناك .. إنهم يزيدون الأمر سوءًا !

    تماسك يا منصور ..
    و ثق بأنك - على رداءة المكان الذي ” تموت” فيه - ما تزال أفضل حالاً من غيرك ..

    ” هذا الاستدعاء يفيد نوعًا ما ” .. إنه ينجح معي ..

    لك الود يا أخي ،،

  2. ســــمراء:

    أتمنى أن لا يكون الحزن قد ارتعشَ على شفتيكَـ اليومـ.. ولا الوحدة.. ولا الغربة
    كنتُ أتذكّرُكَـ; وأتمنى لو أني أستطيع تركـَ مكالمة فائتة في هاتفِكـ.. أو رسالة على الأقل، باسم أي شخص _ليس هذا هو المهم_، أردتُ القول فقط..:
    أن البارحة كانت لذيذة، رغمَـ أنّ حظي “الوحش” صادف أن محل البوظة قد نفذ من الــ ” Strawberry Depp ” تخيل ): !!

    المهم أنّ البارحة كانت لذيذة بالنسبة لي.. وربما لم تعد أيام الجمعة سيئة دائماً كما كنتُ أحسب

    ما زلت أحاول عبثاً.. الكتابةَ لك..، وما زلت لا أعرف..
    ليلة سعيدة.. ليلة سعيـــدة..

  3. أماني:

    كأني أقرؤني هنا.!
    كنت أسأل نفسي مؤخرا، لم يجب أن نرغم انفسنا على السير في طريق لا نحبه.. رغم علمنا المسبق انه لن يوفر لنا السعادة التي نرجوها؟
    هل حياتنا زهيدة للدرجة التي نفرط فيها يوميا بـ 9 ساعات، من اجل عمل شيء لا نحبه؟
    الأمر يبدو معقدا جدا.. و هم يقولون أن الشقاء ملازم لمرادف الحياة..
    أنا لا أريد أن احيا تعيسة، ألا أستطيع بعد كل هذه السنوات.. أن استدير فجأة و أغير وجهتي.. لأسلك طريقا آخر.. احتمالات السعادة فيه أكبر؟

    كتبت مقالك هذا منذ 3 سنوات، هل أنت سعيد الآن يا منصور؟
    هل هجرت ذلك الصندوق الرمادي؟ أم انك لا زلت تصنع للناس ابتساماتهم؟

أكتب تعليقاً