الشارع الخلفي، الذي يستقبل باب بيتنا، صادق وواقعي هذا الوقت، ففي الرابعة فجراً، لا أحد يملك الرغبة في بسط سلطته على شارع سخيف ومتواضع مثل شارعنا، لا الشرطة، ولا هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا راشد الذي يذهب للصلاة أكثر من خمس مرات في اليوم، ولا حميد، عامل توصيل الطلبات للمنازل، في البقالة القريبة.
ولأنه شارع مؤدب وصادق، يناله شيء من نسيم لطيف يهب ويلفح وجهي هذه اللحظة. في الرابعة فجراً، لا أملك سبباً حقيقياً للخروج ولا افتراش “شنطة” السيارة. إلا أنني أدركت، في لحظة واحدة، لحظة “متمادية خالدة” كما يقول الطاهر بن جلون. عند الوهلة الأولى لخروجي من البيت. أن هذا الشارع، وإن بدا مؤدباً وواقعياً. فهو لن يفعل المستحيل مما ليس في وسعه فعله. هو، الشارع، مع حفظ الألقاب والتقدير، يبدأ عند عتبة البيت ولن ينتهي أبداً في مدينة أخرى، لن ينتهي عند ضفة نهر أو فرع للستاربكس لم يحولوه بعد إلى فرع للعوائل، لن ينتهي إلى بوابة مركز تجاري أدخله دون توتر ومساءلة من رجال الشرطة الدينية و”أمن المجمع”. الأغلب أن هذا الشارع لن ينتهي أبداً. سينضم ويتداخل مع جمع من الشوارع الخلفية المهمومة والوحيدة ونصف النظيفة، المتراكمة والغائبة والتي لا تشرق عليها الشمس، كما هي كل الأمور في مدينتنا.
خلال أكثر من شهر، منذ عودتي من مسقط، أقنعت نفسي أن أجمل صوت من الممكن سماعة هو صوت إقلاع طائرة. وارتجاجها الخفيف وسرعتها المفاجئة. كانت رحلة العودة من مسقط معقدة إلى آخر حد (مثل رحلة الذهاب). الطيران من مسقط إلى دبي، التوقف في دبي خمسين دقيقة ثم الطيران مجدداً إلى البحرين، فالتوقف في مطار البحرين لمايقارب الثلاث ساعات، الوقت اللازم لأقرب رحلة للخطوط السعودية إلى الرياض.
هذا يعني أنني سمعت صوت إقلاع الطائرة ست مرات بالضبط، وأغمضت عيني ست مرات وتخيلت مدناً مختلفة وحياة متنوعة. مسقط كانت كريمة معي لأنها جاهزة لكل الاحتمالات. الطيران فوقها، ثم السعي بين جبالها وأبنائها لا يشعرك إلا بالحميمية. الطرقات الملتفة، الراقصة، تتسلق الجبال حينا وتجلس على الشاطئ حيناً آخر. والناس الذين يظهرون الابتسامات، والابتسامات فقط، يدفنون الخلاف المذهبي “إباضية، سنة، شيعة” ويظهرون الابتسامات والنقاشات المحتدمة والسخرية. رهاناً دائماً على المستقبل، والمستقبل وحده.
مسقط، رغم قصر إقامتي فيها، غنية بالاحتمالات. الساحل الطويل الذي تختار منه مجلسها يقول أن لا فائدة من الإنغلاق. وليل مسقط، رغم حرارته، يفيض بالاحتمالات والحديث الحميم، يجامل الأصدقاء ويتباطأ ولا يسير، ويمضي بسرعة حال الوحدة ليسلمك، سليماً، إلى نهار اليوم التالي.
تتجاوز مسألة وجودي في مسقط لقاء الأصدقاء القدماء، وقراءة قصصي في تجربة جديدة بالنسبة، إنها الانعتاق من المكان المفروض علي تبعاً لظروف الحياة، إلى مكان أقل منه في الشرط الاجتماعي والديني، وأكثر انطلاقاً في أروقة المدنية، رغم أن الحارات والمساكن الشعبية وسوق الظلام لا زالت تملك الكثير من سطوتها، ومن بريقها الذي سلبه الزمن في مدن أخرى قريبة.
عند القدوم، يشعرك موظفوا الجوازات في مطار السيب الدولي، البسيط بناء ومرافق، بأنهم كانوا بانتظارك شخصياً، لفرط ترحيبهم وحديثهم الحميمي، كان باستقبالي أحد منسوبي العلاقات العامة بجامعة السلطان قابوس، ثم تبعه الصديق القاص هلال البادي، غسلوا مبكراً كل رهبة اللقاء، والمكان الجديد.
قرأت قصصي في اليوم التالي في الجامعة، للمرة الأولى أقرأ قصصي وحيداً على مسرح بهذا الاتساع وأمام حضور جيد من الطلاب والطالبات تقدمه عميد كلية الآداب الدكتور عصام بن أحمد الرواس. تجربة غنية مررت بها مع مداخلات الحضور وأسئلتهم التي أضافت لي الشيء الكثير. انتهت الأمسية بحب كما بدأت. لن أنسى ذكراها مطلقاً.
صديقي الشاعر عبد الله العريمي، الذي يقيم في مدينة صور (400 كلم عن مسقط)، أخبرته بالأمسية متأخراً فلم يحضر. بعد الأمسية بقليل وجدته أمامي، كان يقول: (إنها مجرد أربعمائة كيلومتر). كان مبتسماً، ويشعل سيجارة جديدة.
شأن الأصدقاء في مسقط أكبر من مجرد الحميمية، ومنافض السجائر المشتركة والجلسات المتوسعة رويداً رويداً. إنك تكسبهم بسهولة، حمود الشكيلي ومعاوية الرواحي جمعتنا الحروف المقروءة عن بعد. عندما وجدتهم تساءلت عن الوقت الطويل الذي مر دون أن نكون أصدقاء.
قرأت قصصاً مرة أخرى في النادي الثقافي بمسقط، بعد رحلة طويلة إلى المنطقة الداخلية الغنية بالآثار والحياة (بهلا، حصن جبرين، قلعة نزوى، فلج دارس، الجبال.. الجبال.. الجبال..) كان حضور النادي الثقافي أقل بكثير من حضور الجامعة، مقدم الأمسية كان غاضباً ومحرجاً من هذا الحضور، سخر كثيراً من النادي ومما سماه: “أسرة كتاب القصة”. لكنني كنت سعيداً في المقابل. وكنت أستسلم للنقاش الذي دار بعد الأمسية عن النقد، والكتابة، والهوية، واللغة….
الليلة الأخيرة في مسقط لم أتحكم فيها جيداً. مرت بسرعة غريبة. تناولت عشاء بسيطاً على الرصيف مع عبد الله العريمي، عبد العزيز الفارسي، حسين. عندما افترقنا. ذرعنا طرقات كثيرة أنا وعبد الله العريمي. مسقط (نائمة في هدوء، ومسقط شاهدة شاهدة). كانت واضحة تماماً في الساعة الرابعة فجراً. أوضح بكثير من شارعنا الخلفي ومن مدينتا المجهدة.
يومي الأخير في مسقط لا يشبه الوداع، عندما وصلت للمطار مع سائق تاكسي اتصلت بهلال البادي لأودعه، غضب مني لأني لم أطلب منه “توصيلي” للمطار. تبعني ومعه الشاعر والمشرف على أعمال مهرجان الخليل الأدبي الذي يستضيفني الأستاذ سعيد المكتومي. وصلوا للمطار ومعهم ابتاساماتهم وهدية رائعة.
لم أرد مغادرة مسقط، ولم أفتقد الرياض كثيراً. افتقدت فقط صوت إقلاع طائرة. أغمض عيني معه وأتخيل مدناً بعيدة. خضراء ومفعمة بالحياة.
- شكراً هلال البادي، عبد الله العريمي، معاوية الرواحي، عبد العزيز الفارسي، على الرواحي، فهد السعدي، حمود الشكيلي، عبد الله الشكيلي، مازن حبيب، سعيد المكتومي، حسين العبري، سليمان المعمري، شكراً فاطمة، شكراً منيرة، شكراً لكل من حضر وترك ملامحه دون اسمه. شكراً لكم جميعاً مع حفظ الألقاب والنصوص وترتيبكم المتساوي في القلب.
- شكراً سعادة عميد كلية الآداب، قدم لي بعد الأمسية خنجراً عمانياً من الكريستال. يشبه قصيدة:)